اسماعيل بن محمد القونوي

42

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الفقراء أو أن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدية ) وتعريف الفقراء الخ لأنه لا مساغ للعهد فيكون للاستغراق كأنهم جنس الفقراء لا فقير غيرهم لأن افتقار سائر المخلوقات وإن كان متحققا في أنفسها لكنه بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به فإن الفقر مما يتبع الضعف والإنسان خلق ضعيفا ففقر سائر المخلوقات كالعدم ولذا حصر الفقر فيهم ادعاء وإضافة ولو نكر لكان المعنى أنتم بعض الفقراء وهذا وإن صح في الجملة لكن يفوت المبالغة . قوله : ( ولذلك قال وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ) لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات كذا قاله المصنف في تفسيره فالمراد ليس بضعف البدن ففيه إشارة إلى أن لهم احتياجا تكليفيا وقد ركبت فيهم البهيمية والملكية كما أن لهم احتياجا تكوينيا قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [ الروم : 54 ] ولو ذكره كما في الكشاف لكان أتم وأما سائر المخلوقات فاحتياجها بحسب الخلقة والتكوين وأما الجن فالظاهر أنهم داخلون في الناس إما بطريق الغليب أو المراد به الناسي كقوله : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [ القمر : 6 ] فإن نسيان حق اللّه تعالى يعم الثقلين كذا قاله المصنف في سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [ الناس : 1 ] الخ . قوله : ( المستغني على الاطلاق ) وأما الأمر بالعبادة فلنفع العباد قيل لما كثر الدعاء المحتاجون أي في حصول فائدة ما أمرتكم به وحصول فائدة ما نهيتكم عنه وفي غيرهما من كل الوجوه لا أنا محتاج إليكم في حصول فائدتهما أو في شيء غيرهما لأني غني على الإطلاق حميد على الإطلاق لا يرجع إلى نفع من امتثالكم ولا مذمة من تقصيركم وبعضهم غير مأمور وغير منهي إلا أن الكل مفتقر إليه من جميع الوجوه وهو غني عن الكل من جميع الوجوه وهو الذي أراد من قوله تعالى : أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [ فاطر : 15 ] واللّه الهادي وقال الطيبي رحمه اللّه الذي يقتضيه النظم واللّه أعلم أن يحمل التعريف في الناس على العهد وفي الفقراء على الجنس لأن المخاطبين الذين خوطبوا في قوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [ فاطر : 13 ] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ فاطر : 13 ] أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين تدعون من دونه وأنتم أشد الخلائق احتياجا إليه وهو غني عنكم وعن عبادتكم لأنه حميد له عباد يحمدونه وإن لم تحمدوه أنتم وهو المستغني على الإطلاق يغني ليس غناه من وجه دون وجه بل هو غني من جميع الوجوه عن العالمين والعالمون جميعا محتاجون إليه تعالى وفي الكشاف فإن قلت فقد قوبل الفقراء بالغني فما فائدة الحميد قلت لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا منعما وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق بإنعامه عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه والحميد على السنة مؤمنيهم هذا فذكر الحميد يكون من باب التكميل كقول كعب الغنوي : حليم إذا ما الحلم زين أهله * مع الحلم في أعين العدو مهيب